قادِمَةٌ تَحْتَ المَطْرَ
مُحَمَّد تَوْفِيق مَمْدُوح الرِفاعِي
عَلَى صَوْتِ زَقْزَقَةِ عُصْفُورَيْنِ اِيْقَظانِي فَجْراً وَقَدْ وَقَفا عَلَى
نافِذَتِي يَتَنادَمانِ وَيَتَغازَلانِ بِأَلْحانٍ شَجِيَّةٍ جَمِيلَةٍ وَالشَمْسُ قَدْ
بَدَأَتْ تُشْرِقُ عَلَى مَهَلٍ فَتَسَلَّلْتُ مِنْ فِراشِي عَلَى رُؤُوسِ
أَصابِعِي خَشْيَةَ إِخافَتِهِما فَيَفُرّانِ وَيُغادِرانِ نافِذَتِي فَأُحْرِمُ مَنْ
شَدُّوهُما الرائِعُ وَقَفْتُ أُراقِبُهُما وَهُما يَقْفِزانِ فَرَحاً وَطَرَباً وَقَدْ
شَدَّنِي ذٰلِكَ المَنْظَرُ الرائِعُ الَّذِي يُوحِي بِكُلِّ مَعانِي الحُبِّ فِي
نَفْسِي العاشِقَةِ لِلجَمالِ وَقَفْتُ اِسْتَمَعْ لَهُما وَأُراقِبُ حَرَكاتِهِما
بِشَكْلٍ فُضُولِيٍّ وَقَدْ شَدَّنِي أَيْضاً تَسَلُّلُ شُعاعِ الشَمْسِ عَبْرَ
نافِذَتِي وَهِيَ تَخْتَرِقُ طَبَقاتِ الغُيُومِ الَّتِي غَطَّت وَجْهَ السَماءِ فِي
وَقْتٍ بَدَأَ فِيهِ فَصْلُ الخَرِيفِ يَقْتَحِمُ الأَبْوابَ وَكانَت هٰذِهِ الغُيُومُ
تُحاوِلُ أَنْ تَجْعَلَ وَجْهَ السَماءِ عَبُوساً قاتِمَةً وَأَمامَ هٰذا المَنْظَرِ
الرائِعِ شَخَّصْتُ بِعُيُونِي إِلَى ما وَراءَ نافِذَتِي حَيْثُ الغابَةُ الَّتِي
يُشْرِفُ عَلَيْها مَنْزِلِي رايَتَكِ تَقْبَلِينَ مِن بَعِيدٍ تُسارِعِينَ الخُطَى
مُحاوَلَةً قِطَعِ المَسافاتِ البَعِيدَةِ بِنَظْرَةِ اِشْتِياقٍ تَتَكَسَّرُ عَبْرَ رَذاذِ
المَطَرِ الَّذِي بَدَأَ يَتَساقَطُ عَلَى اِسْتِحْياءٍ وَقَدْ ضَمَمْتُ يَدَيْكِ إِلَى
صَدْرِكِ
تُحاوِلِينَ جاهِدَةً مَنْعُ الرِياحِ البارِدَةِ مِن التَسَلُّلِ إِلَى داخِلِكِ
وَالَّذِي قَدْ اِحْتَبَسَتُ فِيهِ آهَةً دافِئَةً تُحاوِلِينَ الوُصُولَ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ
تَخْتَرِقَها نَسَماتُ الخَرِيفِ البارِدَةُ الَّتِي أَسْدَلَت السِتارَةَ عَلَى
نَسَماتِ الصَيْفِ وَلَيالِيهِ المُقْمِرَةِ الَّتِي كانَتْ مَلاذاً لِلعُشّاقِ الَّذِينَ
وَجَدُوا فِيهِ مُسْتَوْدَعاً لِأَسْرارِهِمْ وَنَجْواهُم حَيْثُ يُرْسِلُونَ رَسائِلَ
الشَوْقِ الصامِتَةَ المُتَناغِمَةَ مَعَ آهاتِ الحَنِينِ وَأُمْنِيّاتِ الوِصالِ
كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْكِ مُتَلَهِّفاً واجِماً أُحاوِلُ أَنْ أُصَدِّقَ ما أَراهُ وَأَنْتِ
تُسارِعِينَ خُطاكِ المُتَعَثِّرَةَ تُحاوِلِينَ الهُرُوبَ مِنْ غَزارَةِ الأَمْطارِ
الَّتِي أَخَذَتْ تُعانِدُكِ مُصِرَّةً عَلَى أَعاقَتِكِ عَنْ المَسِيرِ كانَتْ عَيْناكِ
تَنْظُرانِ إِلَى عَلَى البُعْدِ تُنادِينَنِي بِلَهْفَةِ الحَنِينِ إِلَى اللِقاءِ الَّتِي
تُحَرِّكُهُ جَذْوَةُ الجَوَى المُلْتَهِبَةُ الَّتِي تَشِعُّ مِنْ سُوَيْداءِ الوَتِينِ
المُضْطَرِبِ الَّذِي يَخْفِقُ لَوْعَةً أَمَلاً فِي الوُصُولِ لِيَهْدَأَ فِي
أَحْضانِ الحَبِيبِ وَبِلا وَعْيٍ خَرَجْتُ مِن غُرْفَتِي مُهَرْوِلاً نَحْوَكِ
غَيْرُ آبِهٍ لِأَيِّ شَيْءٍ فِي طَرِيقِي وَلا أَرَى فِيهِ سِواكِ طامِعاً فِي
الوُصُولِ إِلَيْكِ تَسارَعَتْ خُطُواتُنا عَلَى نَغَماتِ قَرْعِ قَلْبَيْنا
وَنَظَراتِنا المُتَلَهِّفَةِ وَأَنْفاسِنا المُتَلاحِقَةِ وَالَّتِي تَكادُ أَنْ تَخْرُجَ
كَسِهامٍ قاتِلَةٍ وَما أَنْ اِلْتَقَيْنا فَتَحْتْ عَباءَتِي لِأَحْتَوِيَكِ فِيها لِأَحْمِيَكِ
مِنْ المَطَرِ وَالبَرْدِ الَّذِي اِقْتَحَمَ جَسَدَكِ الغَضَّ فَاِلْتَحَفْتَها
وَاِحْتَضَنْتُكِ داخِلَها حَيْثُ أَلْقَيْتُ رَأْسَكِ إِلَى صَدْرِي واحَطَتْنِي
بِيَدَيْكِ المُرْتَجِفَتَيْنِ بَرْداً وَفَرِحاً لِتَتَعانَقَ اِنْقاسُنا فَتَعَطَّرَتْ أَنْفاسِي
وَاِنْتَشْتْ مِنْ عِطْرِ أَنْفاسِكِ النِدِّيَّةِ الَّتِي أَخَذَتْ تَتَغَلْغَلُ داخِلَها
بِرائِحَةٍ كَرائِحَةِ أَزْهارِ الياسَمِينِ الَّتِي اِغْتَسَلْتْ بَطَلَ الصَباحِ
وَمِنْ لَهْفَةِ الشَوْقِ نَسِينا نَفْسَيْنا فِي عِناقٍ حَمِيمٍ تَحْتَ قَطَراتِ
المَطَرِ المُتَلاحِقَةِ الَّتِي أَخَذَتْ تَنْهَمِرُ بِغَزارَةٍ لِنَغْتَسِلَ فِيها
بِطَهارَةِ السَماءِ فَكانَتْ دافِئَةً كَدِفْءِ عَيْنَيْكِ لِتُنْسِيَنِي بُرُودَةَ الجَوِّ الماطِرِ
لِأَعِيشَ أَجْمَلَ لَحَظاتِ عِشْقٍ فِي جَوٍّ مِنْ الأَحْلامِ الوَرْدِيَّةِ .
#محمد_توفيق_ممدوح_الرفاعي
تعليقات
إرسال تعليق